محمود توفيق محمد سعد

170

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

فإذا ما كان هذا حال من تفرد برواية هذا الحديث فكيف يظن به أنّه مما يمكن أن يؤخذ بما فيه ولا سيما في أمر يتعلق بتبليغ النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ؟ كيف يحسب حاسب أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا يمكن أن يدع إبلاغ الصحابة شيئا من القرآن الكريم وإن كان ذلك الشيء من أمر ترتيب سور القرآن الكريم ؟ إنّ في الاستدلال بهذا الحديث ما لا يطمئنّ إلى القول به أو ترجيح ما فيه أو ظنه ظنّا . ولست بالدافع هذا الاستدلال من أنّه استدلال بحديث آحاد بل من أنّ راويه : " يزيد الفارسي " ليس بذاك ، ولو أنّه كان ذا منزلة عند الأئمة لكنّا أول الخاضعين . المعجب في الأمر أنّ " الحرالّي " يقول في المذهب الذي ذكرته لك من قبل " أنّه باجتهاد الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم إقرارا للّه سبحانه وتعالى لهذا الانتظام والترتيب السّوريّ . . . . " فلا ندري كيف كان ذلك الإقرار ؟ وما وجه أن يدع اللّه سبحانه وتعالى مثل هذا لعباده وإن كانوا صحابة نبيه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ؟ فإن قيل : إن هذا كمثل ما كان من شأن الأذان ومن شأن موافقات عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فهو أمر مدفوع بأن ذلك كان في زمن الوحي فكان الإقرار معلوما بإقرار النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا الذي إقراره من إقرار الوحي لا محالة فيكون مآل الأمر أنه سنة نبوية سبيلها الإقرار . والذي يقول به " الحرالي " من اقرار اللّه سبحانه وتعالى اجتهاد الصحابة في ترتيب سور القرآن الكريم إنما هو أمر كائن على زعمه من بعد انقضاء الوحي ، فكيف كان العلم بإقرار اللّه سبحانه وتعالى ما كان من اجتهاد الصحابة في هذا ؟ لو أنّ " الحرالّيّ " أراد بقوله " باجتهاد الصحابة " اجتهادهم في ترتيبه جمعا بين دفتي المصحف كمثل ما كان جمعا في صدر النبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ثم صدور أصحابه رضوان اللّه عليهم لكان أمرا غير مدفوع عندنا . أمّا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا انتقل إلى الرفيق الأعلى والصحابة لا يقوم ترتيب سور القرآن الحكيم في